ابن عجيبة
96
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : واذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ، لما تبينت فضيلة ، آدم أمرهم بالسجود ، فقال لهم : اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود انحناء ، فَسَجَدُوا كلهم ، لأنهم شهدوا الجمع ولم يشهدوا الفرق ، فرأوا آدم قبلة ، أو نورا من أنوار عظمته ، إِلَّا إِبْلِيسَ أي : امتنع ؛ حيث نظر الفرق بحكمة الواحد القهار ، فاستكبر وَكانَ من جملة الْكافِرِينَ . وكفره باعتراضه على اللّه وتسفيه حكمه ، لا بامتناعه ؛ إذ مجرد المعصية لا تكفر . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا كمل تصفية الروح ، وظهر شرفها ، خضع لها كل شئ ، وتواضع لها كل شئ ، وانقاد لأمرها من سبقت له العناية ، وهبت عليه ريح الهداية ، لأنها صارت آدم الأكبر ، إلا من أبلسته المشيئة ، وطردته القدرة ، فاستكبر عن تحكيم جنسه على نفسه ، وكان من الكافرين لوجود الخصوصية ، فجزاؤه حرمان شهود طلعة الربوبية ، وهبوطه إلى حضيض العمومية . ثم ذكر الحق تعالى دخول آدم الجنة ، ونزوله إلى الخلافة التي أخبر الحق تعالى بها قبل ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 35 إلى 37 ] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قلت : ( رغدا ) : صفة لمصدر محذوف ، أي : أكلا رغدا واسعا ، و ( تكونا ) : منصوب ، جواب الأمر ، أو معطوف على ( تقربا ) ، و ( أزلهما ) : أوقعهما في الزلل بسبب الأكل ، أو أذهبهما عن الجنة ، ويدل عليه قراءة حمزة : « فأزالهما » ، وجملة ( بعضكم لبعض عدو ) : حالية ، أي : متعادين . يقول الحق جل جلاله : وَقُلْنا يا آدَمُ حين سجدت له الملائكة ودخل الجنة : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ حواء الْجَنَّةَ ، وكانت خلقت من ضلعه الأيسر ، وَكُلا من ثمار الجنة حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ : العنب أو التين أو الحنطة ؛ فَتَكُونا إن أكلتما منها مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسيكما . فدخل إبليس خفية أو في فم الحية « 1 » ، فتكلم مع آدم عليه السّلام فقال له آدم عليه السّلام : ما أحسن هذه الحالة لو كان الخلود . فحفظها إبليس ، ووجد فيها مدخلا من جهة الطمع ، فقال له : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى فدله على أكل الشجرة ، وقال : ما نَهاكُما رَبُّكُما عنها إِلَّا كراهية
--> ( 1 ) ليس لنا البحث عن كيفية وسوسة إبليس لآدم ، ولانقطع القول بلا دليل . وهذا من الإنصاف .